ملا محمد مهدي النراقي

128

انيس المجتهدين في علم الأصول

وفيه تأمّل ؛ لأنّ الشارع وإن لم يطلب منّا سوى ما يتحقّق به مسمّى الوجوب ، إلّا أنّه تحقّق في الفرض المذكور في جميع الأفراد ، فيجب أن يكون ثوابه ثواب الواجب . وإن أتى بالأفراد على التعاقب ، فلا تأمّل في كون ما أتى به أوّلا واجبا ، فثواب البواقي ليس إلّا مستحبّا . ثمّ إنّ بعض الأفراد إذا كان داخلا في بعض آخر ، كمسح الرأس في الوضوء - حيث إنّ بعض أفراده المسح بإصبع واحدة ، وهو داخل في المسح بثلاث مثلا وأتى المكلّف بالفرد الأكمل - فالحقّ هنا أنّه يوصف بالوجوب ؛ لأنّ الواجب هو الماهيّة الكلّيّة التي يمكن أن تتحقّق في الفرد الناقص والكامل ، وهنا تحقّقت في الكامل ، فيتّصف بالوجوب ، ويثاب عليه ثواب الواجب . ومن قال : إنّ القدر الزائد مستحبّ « 1 » ، فنظره إلى أنّه ليس بواجب . وجوابه معلوم . وإذا ترك جميع الأفراد ، فلا شبهة في أنّه لا يعاقب إلّا على أقلّها ؛ لأنّه لم يطلب سواه . وممّا يتفرّع عليه : أنّه إذا أوصى رجل بفرد معيّن من أفراد الكفّارة ، وكان أعلى الأفراد ، فهل يحسب من الأصل ؛ نظرا إلى أنّه لو أتى به اتّصف بالوجوب ، أو يحسب الزيادة من الثلث ؛ نظرا إلى أنّ الواجب أقلّ منه ؟ والظاهر ، الثاني . تذنيب يصحّ التخيير بين الواجب والندب ، وهذا ما يقال : إنّ أحد الفردين أفضل ، كالتخيير بين صلاة الجمعة وصلاة الظهر على القول به ، والتخيير بين القصر والإتمام في المواطن الأربعة « 2 » ، وتخيير النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في قيام الليل بين الثلث والنصف والثلثين « 3 » ، وتخيير المدين بين الإنظار والصدقة « 4 » ، وغير ذلك . ويجوز التخيير بين المندوبين ، كما إذا نذر بأن يفعل أحد الأمرين ، ولم يجر الصيغة ؛ فإنّه يستحبّ الوفاء به ، ويتخيّر بينهما .

--> ( 1 ) . راجع تمهيد القواعد : 59 و 60 ، القاعدة 12 . ( 2 ) . هي المسجد الحرام ، ومسجد النبيّ ، والحائر الحسيني ، ومسجد الكوفة . ( 3 ) . كما يستفاد ذلك من الآيات 1 - 4 من المزّمّل ( 73 ) . ( 4 ) . كما يدلّ عليه قوله تعالى : وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ ، البقرة ( 2 ) : 280 .